تحريف المناهج في القدس .. تهويد للعلم والفكر الفلسطيني

alt

 

هنا القدس- شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بتنفيذ القرار القاضي بإلزام المدارس العربية في القدس المحتلة بتدريس المناهج والكتب الصادرة عن دائرة المعارف في بلدية الاحتلال بالمدينة حيث قامت بتوزيع تلك الكتب على العديد من المدارس الخاصة في المدينة وهددت المدارس التي لا تلتزم بهذا القرار بالإغلاق وفصل مدرسيها.

وبموجب تنفيذ هذا القرار تضيف إسرائيل إلى ميراثها الممعن في خرق القوانين الدولية تعديا جديدا على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فهي بذلك تكون قد اخترقت بندا كاملا من معاهدة جنيف الرابعة التي تنص على الوضع التعليمي في البلاد المحتلة حيث يقع على عاتق الدولة المحتلة توفير الأجواء التعليمية المناسبة للطلبة دون المساس في مجرى العملية التعليمية أو منع استمرارها.

سرقة وتحريف

ديمة السمان رئيسة وحدة شؤون القدس في وزارة التربية والتعليم العالي قالت في حديث خاص لوكالة "هنا القدس" : "إن الاحتلال الإسرائيلي حاول بكل الطرق والوسائل السيطرة على قطاع التعليم في مدينة القدس منذ أن أعلن ضم القدس للدولة العبرية، وحتى اليوم هناك محاولات جادة من أجل السيطرة على التعليم بفرض مناهج محرفة على المدارس العربية في المدينة المقدسة".

وأضافت "بتاريخ السابع من اذار عام 2011 أصدرت دائرة المعارف في بلدية القدس تعليماتها إلى المدارس الأهلية بالقدس وعددها 42 مدرسة يتعلم فيها 22985 طالبا، أي ما نسبته 28% من عدد الطلاب في المدينة، تمنعها من التزود بالمواد التعليمية ومنها الكتب المدرسية من أية جهة فلسطينية، وأن الجهة الوحيدة المخولة بتزويد الكتب هي بلدية القدس ووزارة المعارف الإسرائيلية، الأمر الذي يعطي البلدية الحق في إقرار المناهج التعليمية وغيرها، وشطب وفرض ما تشاء".

وأشارت السمان إلى أن البلدية شرعت مع بداية العام الدراسي بتوزيع الكتب الصادرة عنها على المدارس الفلسطينية في المدينة، "وهددت بإغلاق المدارس التي لا تلتزم بذلك وفصل مديريها ومدرسيها، وقد اضطرت بعض المدارس إلى الرضوخ لهذا الإجراء تحت الضغط والتهديد".

وأوضحت السمان "الذي يحدث أن دائرة المعارف الإسرائيلية تسرق المناهج الفلسطينية وتجري عليها التعديلات التي ترغب فيها وتشطب كل ما يتعلق بتاريخ القضية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال: ألغت مصطلحات مثل "النكبة" و"النكسة" كما وأدخلت على المنهاج مصطلحات جديدة للتأكيد على يهودية المدينة والأراضي الفلسطينية بأكملها مثل "حائط المبكى" بدلا من "حائط البراق" و"يهودا والسامرة" بدلا من "فلسطين" كما واستبدلت ترويسة السلطة الفلسطينية على الكتب بلاصق يحمل شعار بلدية الاحتلال، بالإضافة إلى منع الطلاب إلقاء النشيد الوطني الفلسطيني من خلال الإذاعة المدرسية".

وتابعت السمان حديثها "إلى جانب هذا الحذف والإسقاط تفتقر تلك الكتب إلى أية إشارة إلى أن القدس هي مدينة محتلة، كما وأسقطت كل إشارة إلى الانتفاضة الفلسطينية، وذلك من خلال حذف كل من قصيدة الانتفاضة ونشيد الانتفاضة في كتاب اللغة العربية من منهاج الصف السادس، وحذف النشيد الوطني الفلسطيني، وحذف صورة جندي فلسطيني يحمل العلم الفلسطيني، كما قامت دائرة المعارف بشطب قصيدة "عائدون" للشاعر هارون هاشم رشيد من كتاب لغتنا الجميلة للصف السابع والتي تقول "عائدون عائدون إننا لعائدون... فالــحدود لـن تكـــون والـقـلاع والحصون... فاصرخوا يا نـازحـون إننا لعائدون"، كما وألغت درس "معركة حطين" من كتاب التربية الإسلامية للصف السادس، وقامت بشطب تمرين من كتاب التربية الإسلامية يسأل عن كيفية المحافظة على فلسطين، وتمرين آخر يتحدث عن كيفية مواجهة مصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح بناء المستوطنات".

مساعدات مشروطة

عبد الكريم لافي، رئيس اتحاد لجان أولياء أمور طلاب مدارس القدس العربية يقول في حديث لوكالة "هنا القدس" : "إن ما تقوم به دائرة المعارف الإسرائيلية بحق قطاع التعليم إنما تهدف من وراءه إلى قتل العملية التعليمية وتشويه عقول أجيالا كثيرة من خلال قيامها بتوزيع الكتب المدرسية المحرفة على المدارس الفلسطينية في المدينة".

 

وبين لافي "هناك 5 مظلات تعليمية تتبع لها المدارس الموجودة في القدس هي  مدارس السلطة، ومدارس وزارة الأوقاف، ومدارس وكالة الغوث، والمدارس الخاصة، والمدارس التي تشرف عليها البلدية وتبلغ نسبتها 40% من مجموع المدارس في المدينة يدرس فيها ما يقارب 70 ألف طالب وطالبة".

وأوضح "في آخر خمس سنوات عانت المدارس الخاصة في المدينة من ضائقة مالية كبيرة بحيث أصبحت تتقاضى مساعدات مشروطة عن كل طالب ينتسب إليها من دائرة المعارف الإسرائيلية، وتبلغ نسبة تلك المدارس حوالي 31% من مجموع مدارس المدينة الأمر الذي يعطي مسوغ لبلدية الاحتلال لفرض القرارات التي تراها متناسبة مع أبجدياتها التهويدية".

تشجيع التسريب

وكشف لافي أن هناك ما يزيد عن 10 آلاف طالب في المدينة بلا مظلة تعليمية بحاجة إلى ما يقارب 1000 غرفة صفية، وهذا يشكل ما نسبته 22.6% من مجموع طلاب القدس".

وأضاف  "هناك أمر خطير يغفل عنه الكثير وهو قضية التسريب من المدارس حيث أن إجراءات الاحتلال بحق الطلبة الفلسطينيين في المدينة والجدار والحواجز العسكرية تجبر الكثير من الطلاب على ترك مدارسهم حتى وصلت نسبة التسريب إلى أكثر من45% الأمر الذي يشكل خطرا كبيرا على المجتمع الفلسطيني في المدينة".

وأشار لافي إلى دراسة لبلدية الاحتلال حول ظاهرة التسريب من المدارس قارن فيها بين صفوف التاسع وعددها 106 صفوف وعدد صفوف العاشر وهي 73 صفا فقط، موضحا مؤكدا على أن النقص في 33 صفا بقدرة استيعابية تزيد عن 2000 طالب، يقود هؤلاء الطلاب إلى ترك مدارسهم، والسبب يعود إلى امتناع بلدية الاحتلال عن توفير الصفوف في العديد من المدارس، ليس هذا وحسب بل قامت بإغلاق عدد من المدارس بحجة استخدامها لأغراض "إرهابية" كما فعلت مع مدرستي "النجاة" و"الخالدي" في حي الثوري بالمدينة".

وأكد لافي على الجهود التي يبذلها أهالي القدس واللجان المجتمعية في المدينة من خلال تنظيم النشاطات الرافضة لهذه القرارات كتنفيذ الإضرابات والاعتصامات الاحتجاجية، إلى جانب تقديم الكتب وتوزيعها على مدارس المدينة كما حدث في العيسوية حيث قامت اللجان الشعبية بتوزيع الكتب الفلسطينية السليمة على العديد من مدارس المدينة إضافة إلى تقديم المساعدات العينية والنقدية للمدارس والطلاب.

تهديد المدرسين بالفصل

من جانبه يقول محمود فائد مدرس اللغة العربية في مدرسة "الإيمان الثانوية للبنين" في القدس إن ما تتعرض له العملية التعليمية في المدينة لا يخرج عن سياق محاولات الاحتلال المتكررة للسيطرة بشكل نهائي على كل ما يتعلق بالعرب في المدينة بهدف محو الهوية العربية من ذاكرة الأجيال الفلسطينية".

وأضاف فائد في حديث خاص لوكالة "هنا القدس" : "بعد القرار الأخير لدائرة المعارف الإسرائيلية في بلدية الاحتلال والتعميم الذي وزع على المدارس بتهديد المدرسين والمدراء الذين لا يلتزمون بهذا القرار بالفصل أو خصم رواتبهم، بتنا نعيش حالة من الخوف الشديد خصوصا بعد حالات الاستدعاء التي تعرضنا لها من قبل مكتب دائرة المعارف للتحقيق بشأن المشاركة بالإضراب الذي نظمته اللجنة الأهلية لحماية المنهاج الفلسطيني مع بداية العام الدراسي".

وأوضح "فقبل عدة أيام وصلني بلاغ من مكتب دائرة المعارف يطلب مني الحضور إلى الدائرة، وعندما وصلت تفاجأت بأحد الموظفين في المكتب يصطحبني إلى إحدى الغرف الموجودة في الدائرة وفيها عدد من الأشخاص حيث جرى التحقيق معي حول مشاركتي في الإضراب الذي دعت إليه اللجنة الأهلية لحماية المنهاج الفلسطيني احتجاجا على قرار دائرة المعارف بإلزام المدارس بتدريس المنهاج الصادر عنها".

وبين فائد "بعد الانتهاء من التحقيق استلمت ظرفا مغلقا فيه كتبا من الدائرة يحوي إنذارا خطيا بتهديدي بالفصل وقطع راتبي الشهري إذا ما عدت وشاركت في مثل هذه النشاطات".

 

نقض المعاهدات الدولية

وفيما يتعلق بالناحية القانونية للقرار فقد أكد المستشار القانوني لمؤسسة الحق ناصر الريس على بطلان القرار واعتباره مخالفا لجميع الأعراف والقوانين الدولية بالاعتماد على أن فلسطين دولة محتلة ولا يجوز لسلطات الاحتلال فيها التدخل بالقطاع التعليمي الذي ألزمت المعاهدات الدولية دولة الاحتلال بعدم التدخل في سيرها وضمان توفير المدارس والغرف المدرسية لكل طالب من الصف الأول حتى المرحلة الثانية.

وقال الريس في حديث خاص لوكالة "هنا القدس" : "محاكم الاحتلال تقوم بنفس الدور الذي تلعبه سلطات الاحتلال في المدينة من خلال عشرات القرارات التي صدرت بحق العديد من المدارس والقاضية بإغلاق تلك المدارس بحجج غير واقعية".

وأضاف "في أية دولة في العالم يوجد قانون يحمي حقوق الملكية والفكرية لأي مطبوع صادر عن دار نشر معروفة ومعترف بها في ذلك البلد، وبالتالي فإن هذا التدخل من قبل سلطات الاحتلال بالمنهاج الفلسطيني الذي تعود ملكيته للفلسطينيين يعتبر خرقا آخر تقوم به سلطات الاحتلال بحق العملية التعليمية في المدينة".

وطالب الريس بضرورة توجيه دعوة قضائية ضد بلدية الاحتلال ودائرة المعارف الإسرائيلية فيها بعد عمليات التحريف والتزوير التي جرت على المنهاج الفلسطيني في المدينة المقدسة وتدخلها الغير مبرر بالعملية التعليمية ككل.

يذكر أن وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية القدس الإسرائيلية منعتا منذ بداية العام الدراسي 2009-2010 التعليم المجاني للطلبة العرب في مدينة القدس الأمر الذي سيحرم آلاف الطلبة المقدسيين من فرص التعليم والتحصيل العلمي بحكم الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها بسبب ما تفرضه عليهم سلطات الاحتلال من ضرائب.