من سلوان إلى الشيخ جراح لبيت صفافا... صور متجددة للنكبة في القدس

alt

 

وكالة هنا القدس الاخبارية

 لم تكن عائلة صلاح في حيْ بيت صفافا، وقبلها عائلات الكرد والغاوي وحنون في حيّ الشيخ جراح، العائلات المقدسية الوحيدة التي شهدت فصول نكبة جديدة يتعرض لها الشعب الفلسطيني في مدينة القدس؛ فهناك عائلات سبقتها، وهناك عائلات ما زالت تعيش هواجس الترحيل والتهجير وتؤكد مُجدّداً أن فصول النكبة لم تنته، بل تتجدّد كل يوم ما دام الاحتلال جاثماً على صدور المقدسيّين.

 

ولعلّ في تمسك المواطن عبد الفتاح نمر عبد ربه، بأرضه بقرية الولجة، جنوب القدس، ورباطه وإقامته في كهفٍ بوسطها منذ العام 1987م ما يُدلل على مدى تمسك الفلسطيني بأرضه وعشقه لها.

وكان هذا المزارع الفلسطيني، البالغ من العمر 49 عاماً، قد ورث هذه الأملاك الواقعة في قرية الولجة على الحافة الجنوبية من مدينة القدس من والده وجدّه، لكنه اضطر إلى تركها خلال حرب الأيام الستة في العام 1967 عندما احتلت "إسرائيل" المكان. وفي العام 1999، عاد إلى الولجة والمزرعة، مخاطراً باحتمال أسره الدائم، ومتجاهلاً قراراً "إسرائيلياً" بضم الولجة إلى القدس. ويقول عبد ربه: "إنه يمضي معظم ليالي الأسبوع في الكهف ذاته الذي كان ينام فيه عندما كان طفلاً، لكنه يتعرض لضغوطٍ كبيرة من سلطات الاحتلال لترك الكهف" .

alt

اللاجئ الفلسطيني أحمد عبد الله محمد علي، وعمره الآن 70 عاماً، يروي كيف وصل به المطاف من قرية أبو غوش القريبة من غرب مدينة القدس المحتلة منذ نكبة عام 1948م من لجوءٍ إلى لجوء حتى وصل به المطاف إلى مخيم شعفاط للاجئين وسط القدس.

يقول: "جرى تهجيرنا من أبو غوش إلى حي الشرف في البلدة القديمة قرب حائط البراق، ومكثنا بحي الشرف "حارة المغاربة" أكثر من عشرين عاماً، حيث في هذا الحي تزوجت ورزقت بأبنائي ، وعندما وصلنا إلى مخيم شعفاط لم تكن أي خدمات مقدمة، لا ماء ولا وحدات سكنية، وعشنا التشرد من جديد حتى قامت وكالة الغوث بتقديم الوحدات السكانية لنا'.

ويضيف الحاج محمد علي، " إن الحياة مع بداية اقامة مخيم شعفاط كانت أصعب من رحلة اللجوء الأولى والتشريد من قريته الأصلية " . وتابع: " جئنا إلى مخيم شعفاط وكانت أرضه عبارة عن صحراء لا يوجد فيها أي مصدر للحياة، وكان علينا الاعتياد من جديد على الخيام الضيقة التي تقدمها وكالة الغوث " .

 

ومنذ سنوات وسكان حي البستان ببلدة سلوان جنوب القدس القديمة، وعددهم يزيد عن 1600 مواطن، يعيشون ظروفا نفسية صعبة، وتحت وطأة تهديدات الاحتلال بترحيلهم وهدم منازلهم ، ولا يزال خطر تهجيرهم من الحي مُحدقا بهم ، لصالح إقامة حدائق تلمودية تخدم أكذوبة وخرافة الهيكل المزعوم، فيما يخشى سكان القدس في الأحياء المجاورة من أن تستنسخ تلك الصورة لو نجحت، على سائر منازل الأحياء المجاورة، في إطار مخططات تهويد المدينة ومعالمها.

وما ينطبق على حي البستان ينطبق تماماً على حي الشيخ جراح، حيث كانت تعيش 28 أسرة فلسطينية فيه منذ ستينيات القرن الماضي، وهم بالأصل ممّن تم تهجيرهم من أحياء أخرى في غربي المدينة، وتم إسكانهم في هذه المنطقة وفق اتفاق بين 'الأونروا' والحكومة الأردنية.

وتقول السيدة فوزية جابر "أم كامل الكرد" (تم طردها وعائلتها من منزلها بحي الشيخ جراح) لـ"هنا القدس" أنه رغم إبراز كافة الأوراق التي تثبت ملكية السكان لمنازل الحي والأرض والتي تم الحصول عليها من الحكومتين الأردنية والتركية، إلا أن الجماعات اليهودية المتطرفة نجحت في وضع يدها والاستيلاء على عدد من منازل الحي تعود لعائلات: الكرد والغاوي وحنون، بدعم ومساندة سلطات الاحتلال، فيما لا زال الخطر محدقا بسائر منازل الحي.

وتتكرر فصول النكبة مع هدم كل منزل فلسطيني في مدينة القدس، حيث تُسارع لجنة الصليب الأحمر لتزويد العائلة بخيمة تؤوي الأسرة ، بعد عملية تشريد قسرية، ويكاد هذا المشهد لا يغيب عن أذهان المواطنين على مدار أيام السنة، وبحججٍ لا تعجز سلطات الاحتلال على الإتيان بها.

alt

ورغم كل محاولات الترحيل، من خلال فرض الضرائب، وبناء جدار الضم الثعباني، والتضييق على المواطنين، إلا أن السكان يزدادون تشبتاً بمنازلهم وأرضهم وقدسهم، ويؤكدوا أنه لا يمكن للاحتلال أن ينجح في مخططاته، وهذا ما يتجلى في قصة المزارع عبد ربه الذي فضّل الإقامة في كهفٍ بأرضه الزراعية المُهدّدة بالمصادرة جنوب القدس، ولسان حاله يقول إن العيش في كهفٍ هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع فيها حماية أرضه من المصادرة.

ويقيم الآن الحاج محمد علي ويواصل مسيرة لجوئه في مخيم شعفاط مع نحو أربعة آلاف لاجئ تكاثروا ليصل عددهم الآن إلى 25 ألف مواطن على نفس قطعة الأرض.

ومن الجدير ذكره أن مخيم شعفاط  ( ويطلق عليه أحيانا مخيم عناتا) هو أحد المخيمات التي أنشأت عام 1965  بسبب حركة النزوح للاجئين الفلسطينيين على مساحة تقارب الـ 200 دونم حاليا  بين قريتي عناتا وشعفاط ضمن حدود القدس في الضفة الغربية ,  وهو بحسب وكالة الغوث الدولية المخيم الوحيد الذي يحمل قاطنيه الهوية الإسرائيلية (دون الجنسية) أو ما يسمى بالهوية المقدسية، على خلاف هوية فلسطيني 48, وتقول الانروا (وكالة الغوث الدولية) أن هذا المخيم أقيم كبديل لمخيم المعسكر الذي كان في البلدة القديمة بجانب حائط البراق أو الجهة الغربية للمسجد الاقصى .

إنّ جُل ما يحاول الاحتلال القيام به في القدس هو أن يجعل الفلسطيني المقدسي يتملكه شعورٌ بالإحساس بأنه غريبٌ في وطنه ومدينته، وسط عُزلة كاملة عن محيطه الفلسطيني وعن عالمه العربي والإسلامي، إلا أن كل الشواهد تؤكد أن هذه المخططات لم يكتب لها النجاح .