التهجير الهادئ.. حرب إسرائيل الدائمة ضد المقدسيين

alt

هنا القدس -  محمود الفطافطة

بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية في 1993 بفحص من كان مقيماً في القدس من حاملي الهويات المقدسية ومن يقيم خارج حدودها ، وقدر عدد المواطنين الذين انتقلوا للعيش خارج حدود المدينة ما بين 50 ـ 80 ألف وقد تم إلغاء إقامتهم من القدس، وعُرفت هذه الفترة التي تم خلالها تنفيذ هذه القرارات بالتهجير الصامت.

كذلك؛ فقد قدر عدد من سحبت هوياتهم من المقدسيين في الفترة ما بين 1987 و1999 بـ 3300 مواطن . ومنذ أعقاب اتفاق أوسلو  صعدت وزارة الداخلية الإسرائيلية من إجراءاتها بسحب الهويات المقدسية.  وقد أظهرت مؤسسة بتسيلم في بيان إحصائي لها أنه من العام 1967 ولغاية العام 2004 تم تجريد 6396 فلسطينيي، معظمهم من القدس من مواطنتهم وهوياتهم.

تقول الباحثة في قضايا القدس هنادي الزغير أن السلطات الإسرائيلية ومنذ اللحظة الأولى لاحتلالها القدس اتبعت سياسة ممنهجة لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين، متبعة في ذلك أشكالاً عدة أبرزها إصدار قانون ضم القدس، وترسيم حدود المدينة ومصادرة أراضي الفلسطينيين لبناء مستوطنات عليها، ومن ثم هدم مئات المنازل، إلى جانب بناء جدار الفصل العنصري  الذي صادر آلاف الدونمات، علاوة على عدم وضع مخططات بناء للفلسطينيين في القدس الشرقية بغية إجبارهم على ترك مدينتهم وصولاً لتحقيق المشروع الإسرائيلي الهادف إلى أن يصل عدد اليهود في القدس 70% من نسبة السكان مقابل 30% فقط من العرب.

تطهير منظم

من جانبه يؤكد المحامي أسامه حلبي: إن إسرائيل تواصل سياسة التطهير والتهجير بحق المقدسيين عبر إلغاء الإقامة الدائمة لهم من خلال رفض جمع شمل العائلات، وتشتيت العائلة الواحدة، مبيناً أنه عندما قامت إسرائيل باحتلال القدس الشرقية اتبعت سياسة الترهيب بقصد حمل السكان على ترك القدس والنزوح عنها ، الأمر الذي أدى أثناء هدم حارة الشرف وحارة المغاربة في حزيران 1967 إلى نزوح قرابة 30 ألف نسمة من مجموع 100 ألف.

بدوره يبين أستاذ القانون الدولي د. موسى الدويك أنه عندما رسمت إسرائيل حدود بلدية القدس من جانب واحد  في العام 1980ضمت أكثر من 700 ألف دونم لبناء عدة مستوطنات عليها، وأخرجت تجمعات سكانية فلسطينية من حدودها وذلك للتقليل من عدد السكان العرب في القدس، منوها إلى أن الاحتلال استمر في بناء المستوطنات لإسكان اليهود فيها بهدف تعزيز التواجد اليهودي في القدس، بالمقابل فإن السلطات الإسرائيلية تتقاعس عن وضع مخططات بناء تستجيب لمتطلبات حياة المقدسيين الذين يعانون من ضائقةٍ سكانية خانقة وذلك لإجبارهم على ترك المدينة والهجرة إلى مناطق أخرى.

وثيقة الطرد

فكرة التهجير تموج دوماً في الحوار الداخلي الإسرائيلي وتلقى الشرعية من أجزاء واسعة من المجتمع الإسرائيلي . هذه الفكرة طغت في الوثائق والمؤتمرات والنقاشات الإسرائيلية، ففي " مؤتمر هرتسيليا2000 " والذي تمخض عنه " وثيقة هرتسيليا " كان أكثر الموضوعات الواردة هو " الترانسفير" والخطر الديمغرافي الذي يواجه الدولة العبرية من جانب العرب في الضفة وغزة وفلسطيني الداخل . وقد بحثت الوثيقة الأفكار والمشاريع المطروحة لترحيل الفلسطينيين وتحديد نسلهم.  ومما جاء في الوثيقة:" إن الفلسطينيين يتضاعفون مرة كل عشرين سنة، حيث تبلغ نسبة زيادتهم السنوية 4,2% وهي من أعلى الزيادة في العالم، وأن نسبة الولادة في أوساط المسلمين والمسيحيين في داخل إسرائيل 4,6% مولود، وهذا ضعف نسبة الولادة عند اليهود البالغة 2,6%مولود.

هذا الوضع وفق الوثيقة يمثل خطراً أمنياً كبيراً على واقع إسرائيل لكونها دولة يهودية، ولذلك أوصت الوثيقة بإلغاء مخصصات التأمين للعائلات كثيرة الأولاد، وتوطين سكان يهود في مناطق الكثافة الفلسطينية، مقترحة الترانسفير لسكان الضفة والقدس تحديدا ،مؤكدة أن هناك حاجة لإيجاد مخرج في مكان آخر، ربما في شرق الأردن لتوطينهم إذا لم يكبحوا من وتيرة تكاثرهم ( حسب الوثيقة).

جدار النفي

لا شك أن الجدار الذي اقتطع مساحات واسعة ليلتف حول المدن الفلسطينية كالأفعى يمثل نوع جديد من أساليب الترانسفير الإسرائيلية. بخصوص القدس فقد هُدمت مئات المنازل وهجرت عائلات وقطعت أوصالها وصودرت أراضيها لبناء الجدار العنصري. في هذا الصدد يذكر الباحث عمر البكري أن أكثر من 25 ألف فلسطيني من حملة الهوية الإسرائيلية مقيمين في كفر عقب وقلنديا وهؤلاء بالطبع سوف يقل تواصلهم مع القدس الشرقية بفعل الجدار.

إن إبعاد الفلسطينيين عن القدس الشرقية هو هدف مباشر لبناء جدار الفصل، حيث سمحت السلطات الإسرائيلية للمقدسيين( وفق البكري) أن يبنوا منازل لهم في " الضواحي الشمالية والشرقية الجنوبية للقدس ( الرام ، أبو ديس، العيزرية، وبيرنبالا) وذلك بهدف إبعادهم عن القدس الشرقية حيث أصبحت هذه الضواحي التي كانت ضمن حدود القدس خارجها الآن.  يضيف البكري:" إن ما يقارب من240 ألف فلسطيني يحملون هويات مقدسية، سيجد منهم نحو 120 ألف خارج القدس عندما يكتمل الجدار، وعندئذ يصبح هؤلاء على الأرجح مهددين بمصادرة هوياتهم ،وذلك كسياسة تهدف إلى تفكيك ما يسمى بـ" الخطر الديمغرافي" من خلال فرز عشرات الآلاف داخل الجدار".

الترحيل الهادئ

وضعت بلدية القدس قيودا كثيرة على البناء وعلى إعطاء الرخص للمقدسيين، حيث أصبح الحصول على رخصة بناء يتطلب وثائق كثيرة لا داعٍ لها. في تقرير لمؤسسة " بتسيلم " الإسرائيلية جاء فيه أن رخصة البناء تكلف بين 25 ـ 30 ألف دولار، ولكن اغلب المواطنين لا يُسمح لهم برخص البناء فيلجأون إلى البناء غير المرخص ويتبعه ذلك هدم منازلهم من قبل البلدية ووزارة الداخلية . وتبين المؤسسة أن قسما كبيرا من المقدسيين الذين منعوا من البناء أو تم هدم منازلهم انتقلوا للعيش خارج حدود المدينة لتلغى، بذلك، إقامتهم ويتم نفيهم  نهائيا من المدينة المقدسة . هذه السياسة المعرفة بـ" الترحيل الهادئ" أدت إلى فقدان آلاف المقدسيين إقامتهم بالقدس منذ سنة 1967.

إسرائيل تتخوف كثيراً من الزيادة المطردة في عدد السكان المقدسيين، حيث تشير البيانات الإسرائيلية أن عددهم سيصل في عام 2020الى 380 ألف نسمة بنسبة 40 % من مجموع عدد السكان في " القدس الموحدة"  . هذه التوقعات ، حدت بالإسرائيليين لوضع خريطة تتناول التوسع الاستيطاني والمرافق اليهودية المزمع إقامتها حتى العام 2020 والتي اغلبها ستقام على الأراضي الخضراء التي منع المقدسيين من استعمالها . وبالمقابل فان الخريطة تجاهلت أي ذكر للفلسطينيين لإقامة مخططات بناء  لديهم أو أية مشاريع تطويرية.

عنصرية لا مثيل لها

في العام 2003 سنَّ االكنيست قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل " قانون الطوارئ" وذلك بهدف الحد من إمكانية لم الشمل بين الأزواج المقدسيين وبين الأزواج من سكان الضفة والقطاع وهذا ما يؤدي بالطبع إلى تفكك العائلات المختلطة . وهذا القانون أوجد المبرر لوزارة الداخلية لعدم إستقبال طلبات لم الشمل نهائيا.

عندما يلجأ الوالدان لإخراج شهادة ميلاد للطفل فلا يوجد له رقم هوية، ويتوجب عليهم بدء إجراءات تسجيل الطفل بتقديم طلب تسجيل، ولإعاقة موضوع تسجيل الطفل وإعطاءه رقم هوية فان الوزارة تطلب إثبات من مركز الحياة في القدس ولا يُسجل الطفل إلا عندما تتأكد الوزارة تماماً من مركز حياة العائلة في القدس . هذا الإجراء البسيط نسبيا من الممكن أن يستمر أشهر طويلة وحتى سنوات.

وفي2005 سنت وزارة الداخلية قراراً بمنع تسجيل أطفال الرجل المقدسي الذي تزوج امرأة ثانية من الضفة والقطاع ودول أخرى وذلك تحت الادعاء بأن تعدد الزوجات بامرأة أخرى يعتبر مخالفة جنائية حسب القانون الإسرائيلي، وبناء على ذلك باشرت الوزارة برفض تسجيل هؤلاء الأطفال بشكلٍ رسمي.

اثر تطبيق سياسة مركز الحياة في القدس نشطت وزارة الداخلية في سحب هويات المقدسيين وإلغاء إقامتهم الدائمة من القدس،  هذه السياسة متواصلة  وتنفذ بالتنسيق مع مؤسسة التأمين الوطني، الأمر الذي أدى بمصادرة بطاقات الهوية على المعابر والحدود، وإسقاط قيود السكان عن الحاسوب المركزي وعن سجلات قيود السكان دون علم أصحابهم، في الوقت الذي سحبت فيه الهويات أثناء مراجعة المقدسيين  لمكاتب الوزارة.

عائلات مشردة

عرفات جبران من مواليد القدس ويحمل الهوية الإسرائيلية ، تزوج عام 1998من مواطنة تسكن في رام الله وتحمل بطاقة هوية فلسطينية، ولذلك قدم لها زوجها طلب لم شمل في عام 1998 حتى تقيم معه في القدس . بعد أربع سنوات من تقديم الطلب تم إلغاء الملف من قبل وزارة الداخلية بحجة إهمال الملف وعدم متابعته. فحسب القانون الإسرائيلي يلغى الملف إذا لم يتم متابعته مدة سنة كاملة، مع أنه حسب جبران كان يتابع القضية باستمرار. في العام 2006 قدم جبران لم شمل جديد ليتم رفضه بحجة أن زوجته لها أخ معتقل في إسرائيل وتم إبلاغه بأن على زوجته مغادرة القدس فورا.

أم براء ولدت في القدس وتحمل الهوية الإسرائيلية، متزوجة من أحد مواطني الضفة وأنجبت منه خمسة أبناء . صادقت الوزارة على تسجيل الأبناء ومنح ثلاثة من أطفالها الكبار هويات مؤقتة، في حين رفضت جمع الشمل لزوجها بسبب انتماؤه لحماس. استأنفت أم براء على هذا القرار فتم رفضه. في 2006 ذهب براء إلى الوزارة لتجديد هويته فسحبها الموظف منه وطالبه بمغادرة المكان. توجهت الأم إلى الوزارة حتى تعرف السبب فلم يقم أحد من الموظفين بجوابها لتضطر إلى رفع محكمة ضد الوزارة. ومن خلال اللائحة الجوابية التي قدمتها النيابة العامة تبين أن الوزارة قررت سحب الهويات المؤقتة لجميع أطفالها لكون والدهم ينتمي لحركة حماس، علما أن القضية لا تزال في أروقة المحكمة

سيبقى تواجد المقدسيين في مدينتهم هاجساً دائماً لإسرائيل إلى درجة أن هذا التواجد يمثل " القنبلة الديمغرافية" التي قد تؤدي إلى الانفجار في أي لحظة . وبين التهجير الهادئ وتكاثر العرب وتحديهم لإجراءات الاحتلال ستبقى المواجهة محتدمة بين محتلٍ يريد الاستحواذ على كل شي وبين مضطهدٍ يصارع البقاء في أرض آبائه وأجداده.