قصة تلخص معاناة القدس الحاجة أم كامل.. صراعنا صراع وجود.. لا نزاع على حدود

alt

 

        شبكة هنا القدس -  من لا يعرف قصة فوزية الكرد (أم كامل) من حيّ الشيخ جراح في القدس، لا يعرف أبدا مدى تشبث أهل القدس بأرضهم وما تعنيه لهم. فقصة أم كامل لخصت معاناة مئات العائلات المقدسية المهددة منازلهم بالإستيلاء عليها أو بهدمها، حيث تدورالأطماع الإحتلالية حولها لمآرب تهويدية واضحة. فأم كامل ضربت أروع الأمثلة في الصبر والجلد لـ8 سنوات من التعذيب النفسي والتنكيل بها وبزوجها المقعد، من قبل المستوطنين المتطرفين الذين إستولوا على جزء من منزلها بقوة السلاح،  ورغم ما عانته وتجرعته وعائلتها من ذل وإهانة على ايدي المستوطنين ليل نهار ، اضافة الى كيدهم وتهديدهم ووعيدهم ، إلا أنها بقيت متشبثة متجذرة في بيتها، صابرة على ما إبتليت به. 

              وعن بداية القصة المريرة المؤلمة تحدثت أم كامل  لوكالة هنا القدس قائلة" بدأ الأمر في العام 1999، حين تعرضت بعض زوجات أبنائي للسعات حشرات مميتة، نظرا لسوء حالة المنزل(والذي بني في العام1956) و المقسم إلى قسمين( قسم مبني من الطوب، وآخر من الحجر، وبمساحة  إجمالية تبلغ400 م2)، وعليه، نصحني الأطباء بضرورة ترميم المنزل، ليتحسن بذلك الوضع الصحي لقاطنيه البالغ عددهم13 فردا، وفعلا تقدمت لبلدية الإحتلال في القدس بطلب ترخيص لترميم المنزل، لكنهم رفضوا طلبي، فلم أجد بُدّا من أن أقوم بترميم المنزل دون الحصول على ترخيص، بعدها أصبح البيت إلى حدّ ما صالحا للعيش والإقامة فيه. وبعد ذلك بأسبوع واحد، طرق باب المنزل شخص عرّف نفسه بإسم(عزرا) من بلدية الإحتلال، وطلب مني الإطلاع على أسماء أولادي من خلال هويتي لتسجيل بياناتهم في حساب (الأرنونا) فصدّقته، وأخذ البيانات التي يريد، وبعد ذلك بأسبوع، وفي الثامنة صباحا، تلقى أولادي كامل(36سنة) ورائد(35سنة) دعوة قضائية مستعجلة لحضور محكمة  في ذات اليوم، وفي تمام الساعة 12 ظهرا! فتوجه أولادي  لحضورها، وإذا بـ(عزرا) الموظف المزيف،  يقف في المحكمة ويدعي حقه في قسم من البيت! فيما طلب القاضي من أولادي التفاهم معه!(ويقصد هنا تنازلنا عن البيت مقابل المال، رغم ما لدينا من أوراق ثبوتية وسندات ملكية منذ زمن تركيا والأردن) وحين رفض أبنائي ذلك، قررت المحكمة إغلاق قسم المنزل الذي أصبح بنظرهم متنازعا عليه، والتحفظ على مفاتيحه، إلى جانب تغريم أبنائي بمبلغ 120 ألف شيقل بداعي أنهم إعتدوا وتهجموا على المستوطن(عزرا)! فتم الدفع وإغلاق القسم الثاني  من المنزل، كما صودرت محتوياته من قبل دائرة الإجراء الإسرائيلية!".

     وأتبعت الحاجة (أم كامل) تقول " وفي عام2001 كنت مع زوجي المريض في المستشفى، وإذا بمن تهاتفني، وتبلغني بأن المستوطنين المتطرفين قد دخلوا المنزل(المتنازع عليه)! وأن عليّ الإسراع في العودة!! وحين عدت على عجل، وجدت عشرات المستوطنين يحتلون القسم المذكور من المنزل ويحتفلون ويهللون! وكان في حراستهم جندي إحتلالي، قال لي حين إقتربت من باب المنزل بعد أن أراني هويته( لا أنا عربي، ولا أنا درزي، أنا يهودي، مع ذلك كوني على حذر من المستوطنين في المرحلة المقبلة، فقد دخلوا المنزل بختم مزور، وأنا أتألم لأجلك!!)".

        دخول المستوطنين وإحتلالهم لجزء من منزلها دفعها للتساؤل عن دور المحكمة الحقيقي حيث قالت للوكالة" أود أن أسأل، أليس من واجب المحكمة فيما لوكانت محكمة نزيهة وليست عنصرية، أن لا تسلم مفتاح المنزل إلى المستوطنين؟ أولم يقولوا أنه سيبقى لديهم لحين إنتهاء الخلاف بشأن المنزل؟".

       ومع إستيلاء المستوطنين على جزء من منزل أم كامل،  بدأت وتيرة معاناتها في إزدياد، حيث  أخذ المستوطنون يستخدمون كل الوسائل التي وصفتها "بالقذرة" للنيل من إرادتها وعزيمتها وصبرها، و لم يتركوا بابا فيه محاولة لإذلالها إلا وطرقوه!!، وقد تحدثت لنا عن بعض هذه الأساليب" أولا  أنظر إلى دهاء الإسرائيليين، فقانون النزاع على المنازل، ينص على أنه يحق لك البقاء في المنزل المتنازع عليه لمدة لا تتجاوز العام، لذلك وقبل نهاية كل سنة  كانوا يحضرون لي عائلة مستوطنين جديدة، وعلى مدار 8 سنوات!!  حيث إستخدموا معي وسائل كثيرة من التنكيل وبأشكال متعددة، لدفعي لترك القسم الثاني من المنزل، ومنها قيامهم بإغلاق شبكة التصريف الصحي بحفاضات الاطفال!. وفي مرة أخرى أحضروا حمولة 3 باصات من الأطفال، وتركوهم يلهون بعدد كبير من"المزامير" خلف شباكي من الصباح حتى الغروب، حتى أن زوجي أخذ يبكي لشدة ضيقه من ذلك، ولكونه لا يستطيع الخروج مثلهم لإستنشاق الهواء! ثم تركوا الأوساخ والقاذورات أمام منزلي، وأخذوا يعلمون الأطفالهم الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات، كيف عليهم قتل العرب، حيث قاموا بوضع  لوحة تحمل صورة لشاب فلسطيني يضع (حطّه) فلسطينية،وطلبوا من الأطفال  إطلاق الرصاص البلاستيكي الملون مرّة على الرأس، ومرّة على القلب، وأخرى في العين، وهكذا...، وبعد أن تركوا الساحة آخر الليل، إضطررت لتنظيف مدخل المنزل من كل ذلك، كما وضعوا لي في إحدى المرات حبوب"الهلوسة" في الماء، وفي مرة أخرى وضعوا سلاحا خلف الشباك بهدف الإيقاع بي، من أجل إتهامي بحيازة السلاح (علما أنهم كانوا يراقبون كل تحركاتنا بواسطة الكاميرات المنتشرة) وجراء كل ما عانيت إضطررت لتلقي العلاج من الإكتئاب النفسي لما يزيد عن سنتين".

   وأضافت" كذلك، و بمنتصف الليل رأيتهم يضعون ورقة بيضاء في كأس شاي ثم يجففونها، وفي اليوم التالي رأيتهم يكتبون عليها بقلم مكسر ثم يجففوها، الأمر الذي يعني إمتهانهم للتزوير مع سبق الإصرار والترصد، ومن واقع متابعاتي لسنوات، فإن ما أعرفه و بما لا يقبل الشك، أن هناك اثنين من المستوطنين (شلومو وسامي) يملكان أكبر شبكة تزوير،  حيث أن لديهم في حي الشيخ جراح غرفة كاملة مخصصة للتزوير، وذات طابع الغرفة موجود أيضا في الطابق الثالث من محكمة الصلح ".

       ولم يكن ما عاشته أم كامل الكرد وزوجها، لأكثر من ثمانية أعوام من المرارة وضنك العيش، نهاية المطاف، حيث أن المحكمة الإحتلالية، إتخذت قراراً في شهر تموز2008، يقضي بأن عليها ترك ما تبقى من المنزل ليستولي عليه المستوطنين!! ورغم ذلك القرار إلا أنهم لم يستطيعوا إنتزاع إرادتها الصلبة، أو القضاء على إيمانها بحقها، حيث ناشدت العالم للتضامن معها ومع قضيتها التي تمثل قضية كل مقدسي مستهدف، فلبى النداء عشرات المتضامنين العرب والأجانب، الذين نصبوا في ساحة ما تبقى من منزلها المهدد خيمة إعتصام، وأخذوا ينقلون واقع معاناتها بالصوت والصورة، ولم ينل من عزيمتهم بطش الإحتلال الذي أزال خيمة الإعتصام أكثر من 5 مرات بهدف إخراس صوتهم، بل أن ذلك زاد في حماستهم للدفاع عنها وإيصال رسالتها لكافة دول العالم بشكل أكبر، ليتجاوز بعد ذلك عدد المتضامنين مع قصتها وقضيتها يوميا المئات منهم، فشرع الإحتلال بالتنكيل واعتقال الكثيرين ممن تأثروا بقصتها، وتضامنوا معها إنسانيا وزاروها في خيمة الصمود والتحدي، ومنهم مسؤول ملف القدس في حركة فتح حاتم عبد القادر، والشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وغيرهما من الشخصيات الرسمية والشعبية.

       وقد زارها في خيمتها العديد من المسؤولين الأجانب الذين أثرت فيهم ( أم كامل)  فرغم كل ما عانته إلا أن الإبتسامة لم تكن لتفارقها، لإيمانها بأن قضاء الله نافذ، وعن زيارات لمسؤوليين أجانب قالت" من بين الذين تضامنوا معي بعض عضوات الكونجرس الأمريكي، الذين مكثوا في الخيمة 15 يوما، قالوا لي بعدها، أن ما تعلموه لديّ في هذه المدة القصيرة، لم يتعلمنه لسنوات في الجامعات الأمريكية!.أما القنصل البلجيكي، الذي زارني واطلع على معاناتي،  فقد قال أنه حين ينهي مهامه الرسمية سيكتب على باب منزله أن المرأة الفلسطينية تقود الرجال! فما كان مني إلا أن رددت عليه قائلة، بأن المرأة الفلسطينية تربي الرجال.

        كما تناوب عشرات المتضامنين الذين تأثروا بأم كامل على المبيت في خيمة الإعتصام كل ليلة، حيث عاشوا ذات ظروفها القاسية، بل وجربوا صنوف الترهيب أيضا! إذ قام أحد المستوطنين بدخول خيمة الإعتصام وتهديد إحدى المتضامنات الإسبانيات بالذبح من خلال سكينة كان يحملها! ولولا تدخل متضامنين آخرين لقتلت المتضامنة في الخيمة! الأمر الذي دفعهم ودفع أم كامل للتوجه إلى مركز شرطة المسكوبية لتقديم شكوى بالأمر، وحين رفض قسم الشرطة تلقي شكواهم، رفضوا هم أيضا مغادرة القسم الذي رضخ أخيرا لرغبتهم في تقديم الشكوى ضد المستوطن،حيث تم ذلك في الثانية صباحاً، إلا أن الشرطة لم تفعل أي شيء بحقه .

        المتضامنون الأجانب الذي كانوا يبيتون  في الخيمة ، أعطتهم أم كامل من المحبة ما تعطيه لأبنائها، فأخذت تعلمهم اللغة العربية بإستخدام القاموس، وبدورهم أخذوا يعلمونها الإنجليزية بذات الطريقة، كما نظمت قبل شهر رمضان من ذات العام2008 برنامجا أسمته "برنامج حياة"(والذي كان له الأثر الكبير على القنصل البلجيكي) حيث نظمت من خلاله أوقات إستخدامهم للمرافق الصحية في المنزل بما فيها الإستحمام، فتأثروا جدا بأم كامل، وتعلقوا بها،  لدرجة أن إثنين منهم أبلغوها برغبتهم إعتناق الدين الإسلامي، لما تعلموه من أخلاق على يديها، حيث أوضحت تقول"هناك إعتقاد سائد لدى بعض الأجانب بأن المرأة المحجبة منغلقة ومعقدة، وهذا إعتقاد خاطىء، حيث أثبتت طريقة تعاملي ومحبتي للمتضامنين بطلان هذا الإعتقاد، فلم يجدوا مني سوى المحبة والإحترام، كما تعلقوا بي، لدرجة أنهم أصبحوا يقولوا لي(ماما)، وكان من نتاج ذلك أن أسلم إثنان منهم في الخيمة(أمريكي وبريطاني)! نتيجة لطريقة تعاملي! وبعد أن قاموا بكل ما هو مطلوب منهم ليدخلوا الإسلام نطقوا الشهادتين، وصاموا رمضان، وصلوا التراويح أيضا!، حتى أنهما كانا حين يتناولان وجبة السحور معي، يقولان  حين يؤذن أذان الإمساك لبعضهم "  "Stop eating (توقف عن الأكل)، وبالتالي فقد كانت فترة روحانية للأديان أيضا وليست إعتصاماً تضامنيا فقط".

         وعلى الرغم من ذلك، وتحديداً في التاسع من شهر تشرين الثاني عام2008، وبعد صمود للمتضامنين دام لقرابة 4 أشهر، وحين صادف وجود 3 منهم فقط في خيمة الإعتصام تلك الليلة الظلماء الحالكة،وفي الثانية صباحا، إقتحم جنود الإحتلال منزل أم كامل، وألقوا بزوجها المريض المقعد، والمصاب (بالغرغرينا)عند أحد الجيران، فيما ألقي بفارسة القصة والقدس معا الى العراء! ليستولي المستوطنين على ما تبقى من منزلها!، وليصبح بذلك أول منزل يتم الإستيلاء عليه في حيّ الشيخ جراح، فيتبعه منزل آخر في العام2009! وبعدها يبدأ مسلسل الإخطارات  لعائلات أخرى من ذات الحيّ، بعضهم مهددة بيوتهم بالإستيلاء عليها وأخرى للهدم، علماً أن الإحتلال يسعى لتحويل الحيّ المطل على المسجد الأقصى المبارك إلى ما أسموه (حوض مقدس للقدس الغربية!).

      ومع كل ما مرّ بـ فوزية الكرد، وإستيلاء المستوطنين على بيتها بالكامل! إلا أن ذلك لم يضعفها، بل على العكس تماما، فقد زاد في إصرارها على الصبر والصمود! بل وانتقلت إلى مربع آخر من مربعات التحدي، حيث بدأت تعمل ومن خلال إمتلاكها لإرادة صلبة لا تهتز، على فضح ممارسات الإحتلال، من خلال الكثير من المنابر المحلية والدولية، فأخذ صوت المقدسيين المقهورين بالوصول بشكل أكثر تأثيرا إلى جميع أنحاء العالم، فكلما تحدثت الحاجة أم كامل في مؤتمر دعيت إليه في محفل هنا أو هناك، كان يذهل الحاضرون من قصة أم كامل"لقد تلقيت الكثير من الدعوات من أفراد في دول عربية وإسلامية عديدة، كتونس والأردن وتركيا...إلخ، وقد لبيت كل هذه الدعوات، حيث زرت أكثر من 7 دول عربية وإسلامية، بهدف التأكيد على أنني لن أنسى  أو أتخلى عن حقي أبداً، ولأثبت أن أي إنسان صاحب قضية لن يهملها، وهذا لسان حال كل مقدسي أو فلسطيني أُكره على ترك بيته أو وطنه ظلماً، علماً أنه كانت قد وجهت لي دعوة  لزيارة بريطانيا، حيث كان من المقرر أن ألقي كلمة في مجلس العموم البريطاني، لكن القنصلية البريطانية رفضت حصولي على الفيزا في غير مرة".

      وقد ختمت أم كامل حديثها لوكالة "هنا القدس" بالتأكيد على أن الرهان في القدس هو رهان على الصبر" لقد إستنفذت إسرائيل كل الوسائل الممكنة لتهويد القدس، ورغم أنه لم يسلم منهم بشر أو شجر ولا حتى حجر، إلا أن المراهنة الآن على مقدار الصبر والتحمل والجلد، فالقدس ليست قضية المقدسيين أو الفلسطينيين فقط ، بل إن على كل عربي ومسلم ، أن يضعها نصب عينيه ويحمل همّها بين جوانحه ، فقضية القدس قضية عقائدية ، وحربنا مع المحتل هي حرب وجود لا نزاع على حدود ".