الطفلة دعاء بين سندان المرض ومطرقة إرهاب الاحتلال في سلوان

 

alt

شبكة هنا القدس - دعاء الغزاوي طفلة بريئة لم تتجاوز الثمانية أعوام، شاء لها القدر أنتخرج إلى الدنيا مصابة بشلل في أرجلها بحيث أقعدها عن الحركة. كما شاء لها القدر، أيضا، أن تعيش في أحد أحياء بلدة سلوان، جنوب الأقصى المبارك، وفي ذات الحي الذي يشهد مواجهاتٍ أضحت شبه ليليلة بين سكان الحي واليهود المتطرفين الذين يجهدون في الاستيلاء على منازل المواطنين.

alt

 

ودعاء لا تُمكّنها الإصابة إلا بتحركٍ محدودٍ في شرفة بيتها الصغير في حي بطن الهوى والذي يزيد عدد سكانه عن الالف نسمة ، والمعروف باسم الحارة الوسطى، حيث يشرف بطن الهوى على حي البستان، لتطل الطفلة دعاء في مشهد شبه ليلي ،  على الإطلاق الكثيف والعشوائي للرصاص الحي والمطاطي والقنابل الصوتية الحارقة والغازية المسيلة للدموع، من جنود عنصريين مسلحين بالكراهية، ومدججين بالسلاح.

وتقول والدة دعاء السيدة سامية لـ "هنا القدس"، ( إن الغازات السّامة التي يطلقها الجنود كادت في إحدى الليالي المرعبة أن تُزهق روح طفلتها دعاء، ما ادى الى إصابتها بحالة إغماء وإعياء شديدة )

وتضيف: " الخوف والهلع اللذان سيطرا على ابنتي دعاء منذ تلك الليلة، دفعنا لإبعادها عن الحي إلى حي بيت حنينا شمال القدس عند أحد أعمامها، حتى انتهاء هذه الأجواء المشحونة والمتوترة ".

alt

" ثلاثة أيام بلياليها لم تتناول فيها الطعام"  ، اضافت جدتها نزهة الغزاوي:  " إن الحالة النفسية الصعبة التي أصيبت بها حفيدتها بفعل الممارسات الوحشية لجيش وشرطة الاحتلال حولت حياتها إلى كابوس، وحالت دون تمكنها من الذهاب إلى مدرستها، حيث جعلتها أسيرة ( شبح)  الخوف والهلع والفزع الذي بات يلازم مناماتها.

( في حي بطن الهوى يبدو المشهد مرعبا كلما أطلت الطفلة دعاء من النافذة ،  حجارة متناثرة ، زجاجات محطمة ، بقايا قنابل صوتية وغازية، وبقايا رائحة الرصاص والبارود أيضا،  إنها ساحة حرب)  قالت الجدة نزهة .

واستذكرت الجدة ما جرى في بيت ابنها ناصر، والد الطفلة دعاء، عندما تسببت إحدى حفلات الرقص الصاخبة لمستوطني البؤرة الاستيطانية ( بيت يوناتان ) القريبة من منزل العائلة، بسقوط أجزاء من سقف المنزل العتيق الواقع أسفل البناية وأسفل مستوى الشارع بعدة أمتار.

وتضيف الجدة " في ذلك اليوم  كانت دعاء الأكثر هلعا وتأثرا بين أفراد العائلة، مشيرة إلى أن منزل ولدها المجاور للبؤرة الاستيطانية ومنزل الجيران هما محط أنظار وأطماع الجماعات اليهودية المتطرفة المدعومة من قبل سلطات الاحتلال بزعم أن البيت كان كنيساً قبل عشرات العقود.

 

أما الطفلة دعاء فبدت مرتعبة ومتوترة ، حينما سألناها عن الأوضاع في الحي الذي تسكن فيه تردّدت كثيرا ثم انهمرت بالبكاء وقالت: " إنها لا تريد العودة لبيتها في سلوان" ، وتابعت "بأنها كانت وهي في بيتها تتخيل منظر جنود الاحتلال بلباسهم الأسود وبقناعهم وهم يحاولون خنقها أو اختطافها، وأن رائحة الغاز السام لا تفارقها، وهي دائمة الخوف والهلع ، وقالت ببراءة بأنها تحلم أن تبعد بعيدا عن سلوان وعن القدس كلها وتعيش في الخارج ".

ولا تخفي والدتها مشاعرها وهي ترى ابنتها المريضة وقد تملّكها شعور الخوف والرعب، وتقول أحاول في كل مرة التخفيف عنها والتأكيد بأن الأمر انتهى ولكني في النهاية، وبعد استشارة طبيب العائلة، اتفقت وزوجي على نقل ابنتي من المنزل إلى منزل عمها الذي وفّر لها أجواء نفسية مريحة في ظل بيت واسع تحيطه الأشجار من كل مكان وسور عال.

أكثر ما يفزع دعاء ، رؤيتها لجنود الاحتلال، وأفراد الوحدات الخاصة المقنعين والمدججين بالسلاح ، ناهيك عن وقع  اقدامهم ببساطيرهم السوداء . كأنهم فعلا في ساحة حرب، هذه المشاهد جعلتها  محبطة وكئيبة لا تستطيع البوح عما يختلج فؤادها الصغير من آلام على ما آلت إليه الأوضاع في حيّها.

alt

'إنهم وحوش لا يرحمون، يريدون أن يقتلونا ويرحلوننا عن منزلنا.. أنا أكرههم". قالت دعاء وقد غرقت في البكاء والدموع "، في إشارة إلى ممارسات جيش الاحتلال. وأضافت " أنا أحب منزلنا لكني لا أستطيع العودة إليه" .

أما والدتها فلفتت إلى أنها تتابع حالة ابنتها لدى أخصائيين نفسيين وفّرتها مدرستها، ومع ذلك تؤكد بأن الأمر بحاجة للمزيد من الاهتمام بالجانب النفسي لمثيلات ابنتها ولعموم اطفال سلوان الذين يتعرضون للتنكيل ليل نهار.

 

وفي بطن الهوى حيث تجتمع الحكايات ، التي تروي قصص جوار باهظة الثمن،  وبإكراه مع مستوطنين مسلحين بأنياب عنصرية يقيمون في (بيت يوناتان)  و (بيت العسل) ، " قناصةٌ يعتلون أسطح المنازل، وجنود أصابعهم على الزناد متأهبون للقتل دائماً، يعملون ليل نهار على حراسة المستوطنين وأنصارهم من حركات يمينية متطرفة " ، قال مواطنو الحي الذين يتعرضون على الدوام لإجراءات توقيف وتفتيش مذلة .

وأضاف المواطنون ممن التقتهم "هنا القدس" أن إيمانهم الذي يتسلحون به في حقهم بمنازلهم واراضيهم وممتلكاتهم، هو ما يمنحهم الصبر والتحمل والبقاء في مواجهة غطرسة جنود الاحتلال والمستوطنين، إلى جانب المواقف الشجاعة لنشطاء سلام اجانب واخرين من حركات يسارية إسرائيلية ، الذين قدموا يشاطرون سكان الحي فعالياتهم الاحتجاجية على الوجود اليهودي في المنطقة.

من جانبه، يقول المختص النفسي محمد جابر " أن الموضوع أكبر بكثير مما يتصوره البعض وهو بحاجة إلى جهود مشتركة ومؤسساتية لحل المشاكل النفسية للأطفال ، والناجمة عن انتهاكات الاحتلال، مؤكداً أن أكثر ما يعانيه الأطفال هو الشعور بالخوف الدائم والارتباك والتبول اللاإرادي والأرق وغيرها من مشاكل نفسية ".

alt

ولا تخفي الوالدة بأن ابنتها دعاء تلتحق بمدرسة للتأهيل في القدس وتتمتع بكثير من المزايا والفعاليات التي تؤهلها للانخراط بالمجتمع بشكل طبيعي.

مشاهد الاعتداء على السكان وممتلكاتهم في 'بطن الهوى' تطال كل شيء، بدءاً من التعرض للمواطنين، ووصولاً إلى تحطيم وإعطاب العديد من سياراتهم وممتلكاتهم وانتهاك حرماتهم، هي مشاهد لا يمكن أن تكون طبيعية أمام الأطفال، بحسب ما يؤكده مختصون في الصحة النفسية، فكيف إذا كان الأمر متعلقا بأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون إلى أجواء مريحة وهادئة تعينهم على إعاقاتهم، مثل الطفلة دعاء وأقرانها؟.