القدس ... هوس النمو ولعنة التخطيط

alt

 

ارض مغدورة وديمغرافيا متمردة

   القدس ... هوس النمو ولعنة التخطيط

شبكة هنا القدس 

 

" القنبلة الديمغرافية، هوس النمو، الخلل أو التوازن الديمغرافي" .... جميعها مصطلحات ترى فيها إسرائيل خطراً على وجودها ومستقبلها .  هذه المفاهيم تُردد بشكلٍ مكثف وممنهج في وسائل الإعلام والدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية للتحذير من النمو السكاني الفلسطيني، خاصة في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، أو في مدينة القدس ومحيطها الجغرافي.

 

فهل هذه المصطلحات لها مضمون حقيقي وخطير بالفعل على حاضر ومستقبل إسرائيل كدولة ومجتمع، أم هي مجرد تمرير لمفاهيم يُراد من وراءها تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، واستيعاب أكبر عدد ممكن من المستعمرين اليهود للاستيطان في أرض فلسطين؟ وما هو واقع القدس، تحديداً، في ظل سيمفونية هذه المفاهيم الإسرائيلية ؟.

 

عنصرية التخطيط

بداية؛ تشير دراسة أصدرها، مؤخراً، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس إلى أن " هوس القنبلة الديمغرافية " في القدس هي سياسة تستخدمها إسرائيل بهدف تجميد البناء السكني في الأحياء الفلسطينية، وعدم تمكين تطوره، وصولاً إلى وجود أدنى نسبة تواجد عربي في المدينة المقدسة.

 

وتبين الدراسة أنه بعد احتلال إسرائيل للقدس في عام 1967 عينت الحكومة الإسرائيلية " لجنة جافني" والتي خُولت " بفحص مراحل التطور في القدس"، حيث جاء في توصياتها سنة 1973 أنه " يجب الحفاظ على الوزن النسبي لليهود والعرب في القدس" كما كان آنذاك ( 73,5% لليهود) و ( 26,5% للعرب) . وفي ضوء ذلك؛ فإن التقرير يؤكد بأن التوازن الديمغرافي هو الذي شكل ويشكل أساس المخططات  الهيكلية والتطويرية للمدينة.

 

  كذلك؛ فان السياسات التخطيطية الإسرائيلية منذ عام الاحتلال للقدس ولغاية الآن تحرص بالحفاظ على أن تكون النسبة السكانية بين العرب واليهود 30 ـ 70%. ويوضح تقرير الائتلاف أن هذه السياسات هدفها السيطرة على الأرض وتغيير طابع المدينة وتهويدها ، منوهاً في السياق ذاته إلى أن إسرائيل ومؤسسات التخطيط فيها وضعت نصب أعينها تقليص نسبة السكان المقدسيين، وتأمين استخدام يهودي حصري لأوسع مساحة ممكنة.

 

موت الأمكنة

ويذكر التقرير أن نسبة ما تبقى لهدف تطوير الأحياء الفلسطينية في القدس لا يتجاوز 13%  من مساحة  شرقي القدس والضفة الغربية المضمومة إلى منطقة نفوذ بلدية القدس، مشيراً إلى أن هذه المساحة مبنية في غالبيتها ، والحصول على تراخيص بناء فيها معدومة تقريباً.

 

ويوضح التقرير أن الآليات الإضافية التي استغلتها المؤسسة الإسرائيلية في هذا المجال تكمن في عدم إعداد مخططات للأحياء الفلسطينية، أو إعداد مخططات لا تناسب حاجة السكان إلى أراضٍ للتطوير، أو تحديد نسب بناء منخفضة لا تفي بالاحتياجات في الأحياء الفلسطينية والمتراوحة بين( 25% ـ 75%) ، مقارنة بالمستوطنات الإسرائيلية  والبالغة  بين( 75% ـ 120%) . هذا الأمر سيؤدي ( وفق التقرير) إلى ضمان الوجود اليهودي وتهويد شرقي القدس ، ومن جهة أخرى، خنق الأحياء الفلسطينية وحصرها ومنعها من التطور والتوسع، والنتيجة المترتبة على ذلك هي خلق البناء " غير المرخص" الذي تستهدفه إسرائيل بالهدم المكثف والغرامات الباهظة.

 

هذا التضييق الجغرافي، وانعدام بدائل حيزية أخرى للسكان المقدسيين ، أديا( كما يقول التقرير) إلى نشوء كثافة سكانية مرتفعة في هذه الأحياء، إذ أن الكثافة السكانية القائمة اليوم في الأحياء الفلسطينية عالية جدا، وتصل إلى 13,500 شخص/ كم2 مقارنة بغربي القدس 8300 شخص/ كم2 و 9000شخص/كم2 في المستوطنات القائمة على أراضي شرقي القدس.

 

قمم الإنجاب

هذه السياسات التخطيطية ، كما يبين التقرير، تنضم إلى سياسات التهجير المباشرة  للعرب في القدس، والتي تتمثل بسياسة إلغاء الإقامة، ومنع لم شمل العائلات الفلسطينية في القدس، ومنع تسجيل سكان الضفة المتزوجين من سكان القدس وغيرها من السياسات الهادفة في مجموعها إلى تهويد المدينة وطرد أهلها الأصليين منها.

 

ورغم كل هذه السياسات الإسرائيلية إلا أن نسبة السكان العرب في القدس في تزايد مستمر ( حسب التقرير) ، حيث بلغ عدد سكان الفلسطينيين المقدسيين عام 2007 ، حسب المصادر الإسرائيلية ، ما يقارب 260.5 ألف نسمة ، شكلوا 34,8%  من المجموع العام للسكان في منطقة نفوذ بلدية القدس. وهكذا زادت نسبة العرب بما يقارب 9% بين السنوات 1967 ـ 2007 . لهذا نرى ( حسب التقرير) أنه في السنوات الأخيرة حدث تكثيف بالعمل على تطبيق السياسات الإسرائيلية الاستيطانية في المنطقة.

 

وفي هذا الإطار؛ فان إسرائيل تقوم بالسيطرة على احتياطي أراضي التطوير وتحويل الأحياء الفلسطينية إلى جزر معزولة. فسياسة إسرائيل في توسيع الأراضي المفتوحة بمختلف أنواعها أدى بدوره إلى مصادرة أراض فلسطينية ومنع أي تطوير فيها ، من دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع السكاني للمقدسيين ونموهم الطبيعي . يوضح التقرير بهذا الخصوص أن هذه المساحات سوف تسيطر على الاحتياطي المتبقي للتطور المستقبلي للأحياء الفلسطينية والسكان الفلسطينيين في منطقة شرق القدس، لأهداف السكن والتطوير الاقتصادي والاجتماعي.

 

فصل وصرخة!

كذلك؛ فإن إسرائيل تستغل تخصيص الأراضي الخضراء لأهدافٍ سياسية، حيث تحد هذه المناطق من إمكانية تطوير غالبية الأحياء الفلسطينية، وتحد من التواصل الجغرافي فيما بينها. كما تستغل المناطق الخضراء للفصل ما بين الأحياء اليهودية الفلسطينية في المنطقة، ومنع تواصلها الجغرافي مستقبلا.

 

كل ما ذكر من سياسات إسرائيلية بحق القدس يتطلب، وفق التقرير، من كافة الجهات الفلسطينية والعربية ـ الإسلامية والدولية الإسراع في حماية ما تبقى من القدس، والحفاظ على صمود السكان الأصليين وحماية مقدساتهم وتراثهم الذي  يتعرض لسياسات إسرائيلية غير مسبوقة، هدفها الإبادة الجغرافيا للقدس كمدينة عربية إسلامية من جهة، وتفريغ المدينة من خصوصيتها الفلسطينية العريقة من جهة أخرى.