حينما تُفتقد الطفولة

alt

 

 

شبكة هنا القدس - تراه قادما من بعيد  يجر عربته متثاقلا ، شاقا طريقه وسط  زحام قاتل في "حسبة" رام الله ، يتسابق وأقرانه  في المهنة لكي يحظى احدهم بنقل بضاعة لعجوز هنا أو سيدة هناك ، توقفه سيدة تجاوزت الستين من عمرها وضعت أغراضها في عربته ، يسير معها في السوق حيث تشاء  لقاء اجر زهيد يتناوله بعد قضاء  مهمته.

"سبع" اسم لفتى صغير يسمى في عرف حقوق الإنسان طفلا ، لكن  الطفولة لم تعرف طريقها إليه ، أمضى من عمره أربعة عشر ربيعا في المدرسة قبل أن يتنازل عن قميصه الأزرق وحقيبة كتبه، كان في الثامنة صباحا يصطف مع زملائه في طابور صباحي مرددا النشيد الوطني ، يدخل غرفة صفه يقلب فيها كتبه ودفاتره ، وتعبث بأقلام الرصاص أنامله حتى ينقضي اليوم وتنتهي حصته من الدروس ويغادر المدرسة في الثانية ظهرا ، لكنه اليوم ينافس زملاء المهنة على الفوز بزبون في الحسبة لينقل خضاره حيثما يشاء :"المدرسة مكان سيء  لا أحبها ، كنت دوما اذهب إليها صباحا ، ثم ما البث أن أغير طريقي عنها ، وان كان ولا بد من دخولها فلا تكاد تمضي الحصة الأولى الا وتراني أتسلق سورها الخلفي وأولي هاربا ، لم اعرف القراءة والكتابة يوما ، فما فائدة المدرسة اذن ، ولماذا أضيع تعبي على شيء لا نتيجة منه" قال بكل صرامة ودون تردد وهو يدقق النظر في مجموعة من طلبة الجامعة يلتفون حوله.

ينحدر " سبع " من جنوب الضفة  وينتمي لأسرة يبلغ عدد أفرادها سبعة أشخاص، حط به القدر وأسرته للسكن في مدينة رام الله  حيث يعمل والده في المدينة. التحق" سبع" بالعمل في السوق حاملا أمتعة من يريد  المتسوقين، وملقيا بها على كاهل عربته لقاء أجرة زهيدة  5 "شواقل " ، يبدأ عمله من السابعة صباحا متنقلا في أرجاء السوق وزحمته حتى السادسة مساء.

 وعند الظهيرة نراه يجتمع وأصدقاء مهنته ممن هم في سني عمرهم الأولى، ففي هذا المكان لن تجد" سبع" وحيدا  بل إن هناك ما لا يقل عن 50 طفلا ترى في قسمات وجه كل منهم حكاية مختلفة . يأخذون استراحة قصيرة ليتفحصوا ما حملت جيوبهم من شواقل كسبوها،  يتناولون بضعه لقيمات  يتخللها مزاحهم الجسدي العنيف.

 يشير أكبرهم سنا في السوق  إلى صاحب الحكاية باستهزاء: ، كيف يغادر مدرسته قبل أن يتجاوز الرابعة عشرة في حين أن عائلته ليست بحاجة إلى عمله، ونصحه بالعودة إلى صفه المدرسي.. يتابع الصغار المتسربون من المدارس حديثهم في سوق الخضار، يرسمون أحلامهم الصغيرة التي دفنوها في صدورهم قبل أن يتسابقوا باتجاه الزبائن لحظة نظرهم باتجاه عرباتهم ليخطفوا من بعضهم فرصة نيل بعض الشواقل.