الجبس المُعَشَّق بالزجاج يزيد الأقصى جمالًا ورونقًا

هُنا القدس | ريم الهندي

هي حرفة تعشقها العمارة العربية التراثية القديمة، فيمتد تاريخها العريق من زمن الفاطميين مرورًا بالأتراك وحتى  مصر. فنوافذ المسجد الأقصى المعشّقة بالزجاج الملون هي من أبرز ما يتسم به طابع فنون العمارة الإسلامية الذي تفوح منه رائحة الأصالة وعبق التاريخ. وسبب تسميته "الزجاج المُعشّق" هو الترابط الكبير والتناغم بين الجبس والزجاج؛ فهو يشبه الترابط بين عاشِقَيْن.

ويقول رشيد الموسوس، في حديثه لـ هُنا القدس: ورثت هذه الحرفة عن والدي موسى الموسوس، والذي كان بالأصل قد تعلّمها من المرحوم داوود عابدين، فقد كان عابدين يعمل في متحف روكفولر واستدعوه بعد ذلك لترميم نوافذ المسجد الأقصى بعد أن أُحرق عام 1969. ثم شاركه والدي في العمل وبدأ تعلّم المهنة عام 1979، حتى بدأ العمل بشكل رسمي عام1982.

ويضيف رشيد، فإلى جانب موهبتي في الحفر، فعليَّ أن أتحلى بكثير من الصبر والدقة لأستمر في عملي."

                                                                            طريقة عمل النوافذ

أول خطوة نقوم بها - بحسب الموسوس- هي جَبِل مادة الجِبس، حيث نقوم بإضافته فوق المياه، وليس العكس، لكي نقلل حجم التكتلات والفقاعات التي قد تنشأُ أثناء خلطه .

وبعد ذلك نحركه باتجاه واحد كي نمنع الهواء من الدخول إلى الخليط، ونقوم بصب المزيج في القالب بالسمك الذي نريده، ويكون هناك إطار خشبي يتميز بوجود تجاويف في داخله ليصب الجبس فيه، ونقوم بتثبيته حتى لا يخرج من الإطار إذا ما حصل تقلُّص، ثم نتركه مدة 48 ساعة بانتظار جفافه.

وبعد أن يجف الجبس تطبع عليه الرسوم الزخرفية التركية المعدة مسبقًا عن طريق الفحم، ثم يُعادُ رسمها حتى تتم عملية تفريغ وتخريم الجزء المراد تركيب الزجاج به، بأدوات حفر يدوية بسيطة .

ما يميز هذا العمل هو الحفر على مستويات، فنجد في النافذة جزءً بارزًا وأخر غير بارز، إضافةً إلى أن الحفر يكون بشكل مائل  وليس أفقي، لأن النافذة تركب على مستوى مرتفع. فلو كان الحفر أفقيًا فلن يرى الناظر إلا ما هو على مستوى نظره.

ويبلغ سمك الزخارف من واجهة النافذة مليمترًا واحدًا فقط، أما من الخلف فيزيد سمكها على ثلاثة مليمترات، وذلك لأن كل ضلع هو قاسم مشترك لزجاجتين .

ويصف الموسوس هذا العمل بالسهل الممتنع؛  فهو دقيق جدًا بسبب رقة الحفر الذي يأخذ وقتًا طويلًا في العمل؛ فقطعة من النافذة طولها متر تحتاج لـ 140 ساعة عمل، بما يعادل عمل 25 يومًا، الأمر الذي يتطلّب منه جهدًا كبيرًا لما فيه من ضغط على العمود الفقري وقوة التركيز في النظر "أحاول أن لا أعمل لساعات متواصلة".

                                                                            تقطيع وتعشيق الزجاج الملون

ويوضح رشيد، "الزجاج الملون يتم استيراده من تركيا لعدم توفر هذا النوع  محليًا، و يتم قصه ووضعه في المكان المحدد من الزخرفة الموجودة، ويلصق بالغراء. وفي النهاية يتم إغلاق الفراغات بين الزجاج بالجبس من الخلف، فيصبح "الجبس المُعَشَّق بالزجاج الملون".

ويتابع القول: هناك نوع من نوافذ المسجد الأقصى تصنع من طبقتين من الجبس يفصلهما طبقة من الزجاج الأبيض، وتعمل هذه الطبقة على حماية النافذة الداخلية التي تحوي الزخارف المعشقة بالزجاج الملون، وأيضًا تعمل على توزيع الإضاءة بشكل منظم خلال إسقاط أشعة الشمس على الطبقة الأولى .

وختم حديثه لـ هُنا القدس، بالقول: أغلب النوافذ الموجودة في الأقصى هي نوافذ صنعت منذ خمسينات القرن الماضي، ويقال إن هناك نوافذ موجودة في المتحف الإسلامي منذ عهد الفاطميين، والنوافذ الموجودة اليوم مصنوعة بالطريقة التركية أي "جبسية معشقة بالزجاج الملون".