٢٥ يومًا من العزلة في شافيز: شهادة طبيب من خط الدفاع الأول ضد الكورونا أهلَتهُ جامعة القدس لهكذا مواجهة

"تلقيت إتصالًا من مجمع فلسطين الطبي في يوم الأربعاء، الخامس والعشرين من آذار المنصرم، كي أستعد للمناوبة ضمن جدول الطوارئ، جهّزت حقيبتي وودعت الأهل والأصدقاء، وتوجهت إلى مشفى هوجو تشافيز." يقول الطبيب أحمد دلاشة.

ضمن صفوف الطواقم الطبية المكافحة في مختلف مراكز رعاية مرضى فيروس كورونا "كوفيد 19" في فلسطين، نجد دوما خريجي جامعة القدس في تأهب كامل لمجابهة الوباء، والعمل الدؤوب في سبيل الإنسان.

الطبيب أحمد دلاشة، خريج كلية الطب في جامعة القدس عام 2012، واختصاصي في الطب الباطني في مجمع فلسطين الطبي، عمل لـ 25 يوماً في مستشفى هوجو تشافيز الفلسطيني الفنزويلي في قرية ترمسعيا شمال مدينة رام الله، المشفى التخصصي لجراحة وطب العيون، الذي بات مركزاً لرعاية مصابي الفيروس منذ آذار الماضي.

"صباحاً في تمام التاسعة نرتدي اللباس الكامل المخصّص، استعداداً للانتقال إلى منطقة المرضى المعزولة عن بقية أقسام المشفى، لنذهب في جولة تفقدية بين المصابين، وهكذا نبدأ يوما شاقا بين مراقبة أوضاعهم وتزويدهم بالاحتياجات التي تتوافق وحالة كل منهم، حتى نهاية النوبة الصباحية، حينها ننتقل لمنطقة مخصصة للخروج من القسم المعزول، حيث نخلع الملابس الواقية ونستحمّ، ونبدل ملابسنا" يضيف دلاشة.

وكما يفصل نظام المشفى بين المنطقتين المخصصتين للمصابين والسليمين، فهو يضع تصنيفات للمرضى بحسب حالتهم وشدة الأعراض الظاهرة عليهم، ففي الطابق الأول يتواجد المرضى ذوو الحالة المستقرة إلى المتوسطة، فيما يقبع المصابون الذين يحتاجون إلى عناية مكثفة في الطابق الثاني.

حين يصل المصاب الّذي ظهرت إيجابية فحوصاته للتو، تلج سيارة الإسعاف إلى الموقف المخصص حصرا لهذا الغرض، وهنا يرتدي الطاقم الطبي اللباس الواقي كاملا، ثم يأخذ معلومات الإصابة من الفريق الناقل للمريض، ويقيّم الحالة استعدادا لنقلها للقسم الملائم لها.

البداية: 20 إصابة في اليوم

في الأيام الأولى لتفاقم الحالات، كان معدل الإصابات الواصلة يوميا للمشفى بين 10-20 حالة، توقع الطبيب أحمد وزملاؤه الأسوأ، بالنظر إلى التصاعد الحاد في منحنى الإصابات في فلسطين.

"كنا نخشى أن تزداد الأمور سوءاً بأن يقع تصاعدٌ مهول في الحالات، ما سيضطرنا إلى ملاءمة قدرة الطواقم الطبية والأعداد الكبيرة المحتملة" يؤكد الطبيب.

من ناحية أخرى، كان هنالك هاجس لدى الطاقم في التعامل مع مرضى العناية المكثفة، فبحسب تعليمات منظمة الصحة العالمية، فإن مرضى العناية هم الأقدر على نقل العدوى عبر أجهزة التنفس الصناعي، التي تساهم في إخراج الرذاذ إلى مسافة تقدر ب 6 متر، الأمر الذي يراكم إرهاقا وضيقا للطواقم لتواجدهم لساعات طويلة باللباس الكامل بالإضافة إلى احتياطات إضافية بغرض الوقاية.

لحسن الحظ، يفيد دلاشة بأن نسبة الحالات الخطيرة الحالية هي أقل من 2% من مجمل الحالات، وفيما تصل المتوسطة إلى 15%، وقرابة 80-83% هي حالات خفيفة جدا، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على العمر، كما قد تشتد الأعراض لدى مَن يعانون من أمراض مزمنة.

حالة وفاة في الليلة الأولى

حدثت حالة الوفاة الأولى بالفيروس في اليوم الأول للطبيب أحمد في المشفى، كانت السيدة الستينية، من قرية بدو شمال غرب مدينة القدس، في العناية المكثفة، توقف قلبها عن النبض وحاول الأطباء إنعاشه، بيد أنها لم تستجب.

يذكر الطبيب اللحظات الأليمة التي تبعت وفاة السيدة، إذ أشرف هو على عملية الدفن التي نفذتها الطواقم الطبية بقرار من وزارة الصحة، تم تشييع جثمان الفقيدة ليلا، دون تواجد أي قريب لها لضمان السلامة.

يضيف دلاشة "وضعناها في القبر وقرأنا لها الفاتحة، ثم صلينا عليها."

بعد أسبوعين من وقوع الوفاة الأولى في هوجو تشافيز، توفي مصاب من محافظة طولكرم، كان قد وصل في حالة حرجة، وأقام الطاقم صلاة جنازة له في المشفى.

"كان يعتصرنا الألم لأننا لم نستطع إنقاذهما، كنا نأمل ألا نسجل حالات وفاة بسبب الجائحة وأن نسيطر على أوضاع المرضى قدر الإمكان." يعقب الطبيب.

الحياة تتسلّل

"من لحظاتنا الكثيرة بين المرضى نذكر الطفلة شام ابنة العام عندما جلبنا لها الألعاب وهي في سريرها بين والديها، حينها شعرت الصغيرة بالسعادة، وتأثرنا جميعا بفرحتها" يقول دلاشة.

أما حول حالات الشفاء، يَذكُر أن الفحوصات تُجرى وفقا لبرتوكول طبي حسب حالة المريض، فيتم إجراء 3 فحوصات متتالية يختلف موعدها بحسب الحالة، فإذا ظهرت النتيجة سلبية في كل منها يعتبر المريض قد تعافى.

"ظهرت نتيجة فحوصاتك، وهي سلبية للمرة الثالثة"، بهذه العبارة يبلغ طاقم هوجو تشافيز المريض بتعافيه، "كنا نرى دموع الفرح وبعضهم كان يسقط أرضا وسط سعادة زملائنا الأطباء" يردف الطبيب.

يضيف "أثناء وجودي في المشفى خرج 20 متعافٍ، أجرينا لهم مواكب احتفال سادتها أجواء البهجة والفرح، في المرة الأولى استقبلتهم المحافظ ليلى غنام، كنا نشعر بسعادة عارمة، فعلاقتنا مع المرضى باتت أخوية وودية، وكنا نسعد عند تعافي أحدهم."

جيشنا الأبيض

الطواقم الطبية الإنسانية هي خط دفاعنا الأول الكبير ضد الوباء. يروي دلاشة لحظات تواصل الأطباء مع ذويهم بقوله "أغلبنا كان يرى أهله في فترات متباعدة، قد تصل لأسبوعين أو شهر أحيانا، أذكر مواقف تواصل الزملاء مع والديهم أو زوجاتهم أو أولادهم، رافقتنا في تلك اللحظات مشاعر مختلطة من الفرح والحزن، فالأهالي كانوا يبتهجون لاتصال أبنائهم، فيما نشعر نحن بغصة لبعدنا عن أحبتنا في هذه الظروف".

"إن الوقت والجهد الكبيرين للطواقم الطبية، أوصلنا إلى الخريطة الوبائية المستقرة لفلسطين"، يتابع "الأطباء، وخريجو جامعة القدس منهم خاصة، لهم الدور الأكبر في الميدان، سواء الذين يعملون في هوجو تشافيز أو غيره من مراكز الرعاية بالمرضى، الأمر الذي نعده مدعاة للفخر، كما نفخر بجامعتنا التي تمكنت من تصنيع جهاز تنفس صناعي ضمن إنجازات أخرى كثيرة".

جامعة العاصمة

وحول أثر جامعة القدس في ذاته يختتم دلاشة "لقد تركت فينا بصمة باقية كخريجين، وكرست الانتماء للقضية والشعب، فهي كانت ولم تزل في الصفوف الأولى، وساهمت دوما في رفع المستوى والكفاءة الصحية من خلال رفد القطاع الطبي بخريجين على مستوى عالي من المسؤولية والمعرفة، مما جعلنا نحمل على عاتقنا تمثيلها خير تمثيل في كل محفل."

وكان رئيس جامعة القدس أ.د. عماد أبو كشك قد أعلن الشروع بإنتاج 100 جهاز للتنفس الصناعي في مختبرات الجامعة ومعاملها، وذلك لدى صدور اعتماد الجهاز من مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني، إذ ستضع الجامعة الأجهزة تحت تصرف وزارة الصحة لتقوم بتوزيعها على المستشفيات ومراكز العلاج المخصصة لمرضى كورونا.

وتعمل الجامعة مؤخرا على إنتاج جهاز لفحص فيروس كورونا، هذا وكانت قد سخرت كافة إمكانياتها لمكافحة الوباء منذ بداية الأزمة، كما وسعت إلى إيجاد البدائل التي تضمن استمرار العملية التعليمية، فقد شكلت نموذجا ناجحا في الانتقال إلى نظام التعليم الإلكتروني، الذي عملت على تطويره ضمن منهجيتها منذ سنوات، كما وتوجه الجامعة طاقاتها البحثية لمكافحة الفيروس، بالإضافة إلى مساهمتها في طرح حملات توعوية ضد المرض ساهم فيها عدد من أساتذة الطب والصحة العامة وعلوم الأوبئة في الجامعة، ويعزى إلى خريجيها من الحقول الطبية المتنوعة والمختبرات والتمريض، الجهود الحثيثة لمحاربة الوباء في الميدان.